ابن الوزان الزياتي

632

وصف افريقيا

ويستمر فيضان النيل أربعين يوما في مصر وذلك ابتداء من السابع عشر من حزيران ( يونية ) ، وتستمر التحاريق أربعين يوما أيضا « 40 » وقبل أن يصل إلى مصر يستغرق الفيضان كل شهر أيار ( مايو ) وقسما من حزيران ( يونية ) كي ينزل إلى مجرى النيل « 41 » . وتوجد آراء مختلفة حول موضوع أصل النيل . فالبعض يقولون أنه يأتي من جبل يدعى جبل القمر . ويدّعي آخرون أنه ينبع في سهول مهجورة في حضيض هذا الجبل ، عن طريق بضعة ينابيع شديدة التباعد بعضها عن بعض . ويؤكد أنصار الرأي الأول أن النهر يهبط من الجبل مع عنفوان شديد حتى أنه ليدخل تحت الأرض ويخرج منها بعدئذ بواسطة عيون مختلفة . ولكن هذين الرأيين ليسا أكثر من افتراضين إذ لم ير أحد أبدا شيئا من ذلك ولا يزال من غير الممكن رؤية ذلك عيانا . بيد أن تجار الحبشة الذين يزاولون التجارة في دنقلة يقولون أن النيل يزداد عرضا في الجنوب حتى إنه ليصبح بحيرة ، وحتى ليتعذر تماما معرفة معالم مجراه . ويتشعب في الجنوب كذلك إلى فروع لا تحصى تجري بين هذه القيعان الضحلة وتنتشر من الشرق إلى الغرب فتمنع الناس من تجاوز المجاري الأصلية للنهر . ويؤكد الكثير من الأحباش الذين ينتجعون في هذه الأرجاء كالعرب ، أن بعضا منهم فقدوا جمالا في موسم اللقاح ، وأنهم ذهبوا للبحث عنها جنوبا على مسافة ألف ميل « 42 » ولم يروا شيئا آخر من النيل سوى زمرة من بحيرات صغيرة ومن فروع كثيرة ، ووجدوا جبالا كبيرة جافة وخاوية . ويسرد نفس المؤرخ ، أي المسعودي ، أنه يعيش في هذه الجبال متوحشون يركضون كالوعول ويأكلون العشب ويعيشون في الصحاري كالحيوانات المفترسة . ولكن ربما كان في ذلك بعض الأكاذيب المشهورة ، من بين

--> ( 40 ) يبدأ الفيضان في القاهرة فقط ، في 17 حزبران ( يونية ) كما أن نظام النيل يختلف عما يذكره لنا المؤلف ، كما رأينا ، ويدّعي أن هذا الواقع يعود إلى كثرة الأمطار في ايثيوبيا في بداية أيار ( مايو ) . والحقيقة في شباط ( فبراير ) وفي آذار ( مارس ) تتضافر الأمطار وذوبان الثلوج في منطقة البحيرات الاستوائية على تشكيل كتل الماء التي تؤلف الفيضان ، والذي يستغرق بضعة أشهر ريثما يصل إلى مصر . ( 41 ) بتاريخ 26 نيسان ( ابريل ) يبدأ النيل الأزرق القادم من الحبشة فيضانه في الخرطوم ، وفي 19 أيار ( مايو ) يأتي النيل الأبيض القادم من البحيرات الكبرى الاستوائية ليضم موجته عند الخرطوم . وفي 17 أيار ( مايو ) يصل الفيضان إلى دنقلة ، وفي 29 أيار ( مايو ) يصل إلى أسوان . ويستغرق الفيضان 52 يوما كي يقطع مسافة 2759 كم التي تفصل الخرطوم عن القاهرة . ( 42 ) 1600 كم .